التلميذ المدير
التلميذ المدير
تحدثت بالأمس بكل اعتزاز عن التجاوب المذهل مع حملتنا لجمع كتب لإنشاء وتعمير مكتبات في مختلف أنحاء السودان.. اعتزاز بأن غالبية الناس مستعدون للإسهام في المشاريع الخيرية وينتظرون فقط “المبادرات”.. سأحدثكم اليوم عن فتى هندي اسمه بابور، جعلني أتوارى خجلا لأنني أحسست بالنشوة فقط لأنني وبمساعدة بعض الأصدقاء نجحت في جمع نحو 30 ألف كتاب.. بابور صار مُدرسا وعمره 11 سنة أي وهو تلميذ في المرحلة الابتدائية، لم تكن هناك مدرسة في قريته بهابتا القريبة من مدينة مرشد أباد في ولاية البنغال الغربية.. وبما أن والده كان ميسور الحال نسبيا، فقد ألحقه بمدرسة خاصة في المدينة نظير مبلغ ضخم قدره 24 دولارا “سنويا”، وكلما عاد من المدرسة، كان رصفاؤه في القرية، الذين منعت ظروف الفقر آباءهم المزارعين من إلحاقهم بالمدارس، يسألونه بشغف ولهفة عما يدور في المدرسة.. وهكذا صار يجمع الصغار حوله كل مساء في العراء ويدرسهم مبادئ القراءة والكتابة والحساب وتناتيف من الجغرافيا والتاريخ مستخدما كتبه المدرسية. يبلغ بابور الآن الـ14 من العمر ويبدأ يومه بالصلاة (هو مسلم ووالده يحمل اسم محمد نصر الدين).. ثم القيام ببعض الأعباء المنزلية، ليقطع بعدها بالحافلة خمسة كيلومترات، ذهابا الى المدرسة التي يعود منها في الرابعة عصرا حيث يتجه فورا الى “تلاميذه”.. وشيئا فشيئا “وسعت الحكاية” وتطوع تلاميذ آخرون في المرحلة الثانوية للتدريس في مدرسة بابور.. في البداية كان عدد تلاميذه ثمانية فقط، واليوم لديه غرفتان مشيدتان بالطوب والقش، وتضم كل منهما 80 طالبا، وعندما تكون الغرفتان مشغولتين يكون هناك نحو مائتي تلميذ يدرسون في العراء.. وهو مدير المدرسة.. يعني يكون تلميذا لست ساعات، ثم ينال ترقية بنهاية كل يوم ويصبح مديرا لمدرسته الخاصة! وقبل نحو 3 أسابيع تم استدعاؤه الى كلكتا ليشهد حفل تكريم بوصفه صاحب اكبر انجاز وجهد فردي في مكافحة الأمية في تاريخ الهند المعاصر، وتعهد رئيس وزراء ولاية البنغال الغربية بتزويد مدرسته بالكتب والمدرسين المحترفين.. ولكن ولأن قرية بهابتا حيث المدرسة قرية هامشية فإن حكومة الولاية لم تتعهد ببناء غرف دراسة بحيث يتلقى كل التلاميذ دروسهم تحت سقف يحميهم من الحر والمطر.
عندما كتبت مبديا اعجابي بالأمريكي جون وود الذي استقال من منصبه كمدير لفرع شركة مايكروسوفت في الصين وتفرغ لجمع الكتب للمدارس الهندية في المناطق الفقيرة، ثم تحول الى بناء المدارس، عقب قارئ على ذلك بأنه “يزودها بكتب تبشيرية”،.. أؤكد له انه لا يزودها إلا بالكتب الأكاديمية.. وإذا كنا نخشى من النشاط التبشيري فهل من فاعل خير مسلم يتصل بسفارة بلاده في الهند ليسأل عن قرية بهابتا Bhabta في أطراف بلدة مرشد أباد ليكمل مشوار فتانا المسلم بابور محمد نصر الدين، بتحمل تكاليف تشييد مدرسة بمواد ثابتة ولن تتجاوز تكاليف ذلك في الهند عشرين ألف دولار. (ودعنا فراش هندي كان يقوم بتنظيف المكاتب وصنع الشاي، لأنه قرر العودة الى بلاده نهائيا بعد تسع سنوات من العمل في قطر وبرر ذلك بأنه جمع خلال تلك السنوات نحو 40 ألف دولار وامتلك شقتين ودكانا في مدينة في ولاية كيرالا)
للكاتب : جعفر عباس
|