الإبداع لغة كما في القاموس المحيط: البِدع بالكسر، وهو الأمر الذي يكون أولاً، وأبدع : أبدأ ،
وفي مختار الصحاح ،ص43 أبدع الشيء اخترعه لا على مثال . وأما في لسان العرب فبدع الشيء ابتدعه: أنشأه وبدأه.( السويدي،1996 م، ص870 ) .
من هنا يمكن القول أن الإبداع لغة: هو ابتداء الشيء ، أو إنشائه لا عن مثال سابق ،كما أنه تأسيس الشيء عن الشيء، أي تأليف شيء جديد من عناصر موجودة سابقاً . أما إيجاد الشيء من لاشيء فهو إبداع الباري سبحانه وتعالى، ويختص به وحده، فهو يوصف بأنه بديع السماوات والأرض، قال تعالى ( بديع السموات و الأرض و إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون )
[البقرة:117] ، وفي هذا المجال فالمبدع هنا هو الله عز وجل فهو أبدع خلق السماوات والأرض على وجه متميز ومعجز ، ولم تكن موجودة من قبل ( فقيه ، 1999م ،ص8 ). أما الإبداع البشري فيستند إلى أصول ومقومات وعناصر ونماذج فكرية ومادية موجودة ، ولكنه يتضمن مسلكيات ، وعلاقات ، وهيئات ، وبنيات جديدة ومفيدة ، مما يبعد به عن الاستنساخ أو التقليد أو التعميم ،فهو دائماً يجري وراء مثال مبتكر غير مسبوق سواء في موضوعه ، أو في تركيب عناصره ، أو في إخراج أشكاله ، أو في توظيف نتائجه .
ومصطلح الإبداع و الابتكار في اللغة الإنجليزية لهما نفس الكلمة وهي Creativity، و بعض الباحثين قد يستخدموهما معاً، أو بالتبادل ليشار بهما إلى نفس المعنى. والدراسة الحالية تستخدم مصطلح الإبداع على أنه يختلف عن مصطلح الابتكار؛ حيث يشير الإبداع إلى الجديد، المتميز المتفرد على غير مثال، أما الابتكار فهو مشتق من الأصل ( بَكر ) بمعنى يأتي أولا، ًوالأسبقية في الحدوث أولاً( حنورة، ص247 ). وفي مختار الصحاح، ابتكر أي أدرك الخطبة من أولها، وكل من بادر إلى شيء فقد أبكر إليه، وذلك لا يعني بالضرورة التميز، أو التفرد، أو الملائمة، والتي هي من أهم صفات الإبداع .
وفي العصر الحديث نجد أن الآراء نحو مفهوم الإبداع قد تعددت، و تنوعت اتجاهاتها بين العلماء والباحثين وفقاً لانتماءاتهم لتخصصات مختلفة ، وللأطر الثقافية التي ينتسبون إليها ، وقد فسر Gundry في (هيجان ،1999م ، ص14 ) غياب الإجماع على تعريف محدد للإبداع تفسيراً آخر، حيث قال " بأن أي محاولة للوصول إلى إجماع على تعريف محدد لهذا المصطلح ربما تتعارض مع فكرة الإبداع ذاتها".
ويمكن تصنيف التعاريف المختلفة للإبداع في أربعة جوانب أساسية ، الجانب الأول منها هو تعريف الإبداع كعملية عقلية و الإبداع من هذا الجانب عملية تتضمن الإحساس بمشكلة تستوجب حلاً مع القدرة على التفكير الإبداعي وفق تصورات جديدة بهدف ابتكار الحل الملائم للمشكلة من بين بدائل الحل ثم وضع الحل الذي تم اختياره موضع التنفيذ لتثبت جدواه وفعاليته . (عسيري ، 1999م ،ص12) و تتكون العملية الإبداعية من أربعة مراحل هي مرحلة الإعداد وتتضمن التعريف الواضح للمشكلة وجمع وتنظيم ما يلزم من المعلومات حولها، تنتهي بصياغة فرضيات جديدة . و مرحلة الاحتضان وهي مرحلة تعقب عدة محاولات يائسة للتوصل لحل إبداعي للمشكلة بعد التفكير في كل الاحتمالات الممكنة، وفيها يلجأ الباحث إلى عدة أساليب لتحويل انتباهه عن المشكلة أو الموضوع المراد تطويره كأن يتمشى أو يلجأ للنوم أو تعمد الانشغال بموضوع آخر . ثم مرحلة الإصرار والمثابرة و من مراجعة سير العظماء الذين قدموا للبشرية ما يستحق عده اختراقا إبداعياً تكشف بوضوح عن أهمية توافر مستوى رفيع من الإصرار والمثابرة خلال مرحلة اختزان الفكرة . تليها مرحلة الإشراق ويقصد بها اللحظة التي يتفتق فيها التفكير فجأة عن حل أو بوادر حل للمشكلة التي طالما شغلت حيزاً كبيراً من النشاط العقلي، وهي الخبرة التي تنتهي بحل اللغز المحير ،والشعور بالرضا والارتياح بعد معاناة ذهنية قد تطول أو تقصر. وآخر مرحلة هي التحقق والبرهان، حيث تبرز الحاجة لبذل مزيد من الجهد الواعي للتغلب على العقبات التي تعترض الاختراقات الإبداعية ، وقد تضيع الفكرة ، أو يفقد الحل قيمته ما لم يتواصل التفكير الإبداعي حتى تبلغ الفكرة مداها بالفحص والتطوير، وتقديم الأدلة على أنها متفردة وأصيلة وعملية وغير مسبوقة . مع الإشارة إلى أنه ليس بالضرورة أن يمر كل عمل إبداعي بهذه المراحل على الترتيب فالتداخل وارد، كذلك بالنسبة لتقدم إحدى هذه المراحل على سابقتها (جروان ، 1999م ، ص 106-112 )
ويمكن تقديم العملية الإبداعية - من وجهة نظر الباحثة - كالآتي :
حاجة إلى الإبداع >>> حيرة وتساؤل>>> أفكار وبدائل متعددة ( أفكار جنينية) >>> احتضان واختزان للأفكار >>> فحص وتطوير للأفكار الجديدة أو بزوغ بشكل مفاجئ لها >>> ناتج إبداعي >>> تحقق وبرهان من الناتج الإبداعي . والأفكار الجنينية هي الأفكار الجديدة والتي قد تكون غير مألوفة، أو غريبة، بل قد تكون مضحكة، أو صعبة التنفيذ. وهي كالجنين لا يمكن أن يعيش إذا لم يجد له البيئة المناسبة وهي رحم الأم، لذا لابد من تقبل الأفكار الجديدة وتسجيلها وعدم التوجه نحوها بالنقد؛ ذلك أن الفكرة الجديدة والتي قد تكون إبداعية لا تصمد أمام النقد، فهي هشة ضعيفة مثلها مثل أي جنين. كما يسمي ( دي بونو،1998م ).الأفكار الجديدة ( الحجر المتدحرج ) فالفكرة مهما كانت غريبة، أو غير مرتبطة بالموضوع، أو غير منطقية فإنه يمكن أن تستخدم كحجر متدحرج للوصول للأفكار الإبداعية .
أما الجانب الثاني والذي يمكن من خلاله الوصول إلى تعريف للإبداع، فهو تعريف الإبداع كمجموعة من القدرات العقلية . فالإبداع ليس ومضة فكر تحدث في فترة تجلي، أو ضرب عشواء، بل هو منهج عقلي وأسلوب تفكير منطلق، تباعدي، متشعب ، وهو نشاط عقلي مركب وهادف توجهه رغبة قوية في البحث عن حلول أو التوصل إلى نواتج أصيلة لم تكن معروفة سابقاً (جروان ، 1999م ) لذا فإن الإبداع هو ثمرة التفكير الإبداعي Creative thinking، وهو تفكير يتميز به كل فرد عن الآخر، فكل الأفراد لديهم إلى حد ما كل القدرات الإبداعية، ولكن بدرجات متفاوتة والفروق ليست في النوع بل في الدرجة. و في مجال القدرات الإبداعية، فقد حاول الباحث جيلفورد الذي أول من استخدم مصطلح التفكير الإبداعي أن يصف الإبداع وصفاً بسيطاً فقال "إن الإبداع بمعناه الضيق يشير إلى القدرات التي تكون مميزة للأشخاص المبدعين، وهو القدرة على إدراك كل شيء بطريقة مغايرة لما ألفناه تحت تأثير العادات المكتسبة " في ( المعلم ،2002م ). وقد وضع جيلفورد مجموعة من الفروض تتعلق بالقدرات التي اعتقد أنها تقوم وراء الإبداع، حيث يرى أن الإبداع أياً كان مجاله ليس بالعامل الواحد، ولكنه بالأحرى مجموعة من القدرات حددها في الآتي: الطلاقة، المرونة، الأصالة، الحساسية للمشكلات، التفاصيل، التقييم، إعادة التنظيم والتركيب ( بنجر، 2001 م؛ عسيري، 1999م ). من هنا يمكن تعريف أهم مهارات التفكير الإبداعي أو قدراته التي حاول الباحثون قياسها وهي : الطلاقة Fluency وتعني القدرة على إنتاج سيل كبير من الأفكار والتصورات في برهة زمنية محدودة استجابة لمثير معين، وبازدياد تلك القدرة يزداد الإبداع وتنمو شجرته ، المرونة Flexibility وهي قدرة العقل على التكيف مع المتغيرات والمواقف المستجدة، والانتقال من زاوية جامدة إلى زوايا متحررة تقتضيها عملية المواجهة، فالإنسان الذي يقف عند فكرة أو يتصلب إزاء طريقة أقل قدرة على الإبداع من إنسان مرن التفكير قادر على التغيير حين يلزم ذلك ، الأصالة Originality وهي أكثر الخصائص ارتباطاً بالتفكير الإبداعي، وتعني الجدة والتفرد وهي تقديم نتاجا مبتكراً يكون مناسباً للهدف والوظيفة التي يعمل لأجلها، أو بتعبير آخر رفض الحلول الجاهزة والمألوفة، واتخاذ سلوك جديد يتوافق مع الهدف المنشود، كما تعني القدرة على إنتاج الأفكار الجديدة - على منتجها - بشرط كونها مفيدة وعملية، ويمكن اختبار هذه القدرة بمقدار تكرار ما هو غير شائع ولكنه مقبول من الاستجابات، الحساسية في تلمس المشكلات وهي إدراك الأزمات والمشكلات ونواحي الخلل في المواقف المختلفة والتي قد لا يدركها الآخرون، فقد يتلمس الفرد أكثر من أزمة أو مشكلة تحتاج البحث عن حل لها ، في حين يرى الآخرون أن ( كل شيء على ما يرام ) ، الإفاضة أو التفاصيل Elaboration وتعني القدرة على إضافة تفاصيل جديدة ومتنوعة على الفكرة أو الحل المطروح للمشكلة، والتي من شأنها أن تساعد على تطويرها وإغنائها وتنفيذها.
والمبدعين غالباً ما تبدو عليهم خصائص وسمات شخصية تميزهم عن الأفراد العاديين ، لذا يمكن تعريف الإبداع كمجموعة من السمات الشخصية وهذا هو الجانب الثالث الذي عرف به الباحثون الإبداع . فلقد اهتم بالشخص المبدع علماء نفس الشخصية، الذين يجدون في متغيرات الشخصية والفرو قات الفردية في المجال المعرفي ومجال الدافعية مؤشرات على الإبداع ( العزة، 2000م، ص226 ). وعلى هذا ينظر إلى الإبداع في ضوء العلوم الاجتماعية على أنه استجابة مستحدثة وأكثر جدوى وفعالية لمنبه خارجي، ويتجلى في هذه الاستجابة التعبير عن النفس بتلقائية تخلو من إتباع المعايير السائدة في مجال معين، والتغلب على ضغوط الامتثال والمحاكاة ( عسيري 1999 م، ص11 ) . ومن أبرز خصائص الشخصية الإبداعية : المثابرة، الميل للبحث والتحقيق والمغامرة، الثقة بالنفس، حب الاستطلاع، الانفتاح على الخبرات الجديدة، تحمل الغموض والتعقيد،تنوع الاهتمامات ،عدم التقليد ، الدافعية للإنجاز ،الحاجة للدعم والثناء والاهتمام ، الاستقلالية ، الذكاء الاجتماعي ، الفكاهة وحب المرح ، التخيل ، القدرة على التذوق الفني.
والجانب الرابع الذي عرف بعض الباحثين الإبداع من خلاله هو الإبداع كناتج إبداعي وينظر إلى الإبداع من هذا الجانب، على أنه استحداث شيء جديد سواء كان أو فكرة، أو نظرية، أو افتراض علمي ، أو اختراع ، أو أسلوب جديد لإدارة المنظمة ( مؤتمن ، ص 82 ؛عسيري ،ص 11). والناتج الإبداعي هو العمل الذي يتميز بالجدة وعدم الشيوع، بالإضافة إلى فائدته بالنسبة للشخص المبدع وللمجتمع الذي يعيش فيه، مثل نواتج الإبداع الاختراعي التي تنتج عنها اختراعات تفيد البشرية.وهنا ينبغي إضافة شروط الفاعلية والمشروعية لقبول الناتج الإبداعي، فإن القدرة على الجدة من شأنها أن تثير الدهشة من الناتج الإبداعي، ومع ذلك فلابد من الفاعلية، و إلا فإن أية فكرة مجنونة يمكن أن تثير الدهشة . حيث أن مفهوم الإبداع إيجابي ، ومن غير المحتمل أن يقر المجتمع الشر والقتل و إلا فإنه يمكن النظر إلى أفعال محرمة اجتماعياً ودينياً على أنها مبدعة ( وهبة ، أبو سنة ،2000 ،ص96 ) .
وهناك بعض التعريفات الشاملة للإبداع التي اهتمت بالجوانب الأربعة السابقة ( الإبداع كعملية و قدرات عقلية وسمات شخصية وناتج إبداعي )، فعرفه (جروان ، 1998م، ص84) بأنه "مفهوم من مفاهيم علم النفس المعرفي، يضم سمات استعدادية معرفية، وخصائص انفعالية، تتفاعل مع متغيرات بيئية، لتثمر ناتجاً غير عادي، تتقبله جماعة ما في عصر ما، لفائدته أو تلبيته لحاجة قائمة". كذلك تعريف (عبادة،1992 م، ص31 ) والذي يتميز بالنظرة التكاملية، فعرف الإبداع على أنه "عملية عقلية تعتمد على القدرات العقلية (الطلاقة، المرونة، الأصالة)، وسمات الشخصية، وتعتمد أيضاً على بيئة ميسرة لهذا النوع من التفكير، لتعطي في النهاية المحطة الابتكارية، وهي الإنتاج الابتكاري والذي يتميز بالأصالة، والفائدة، والقبول الاجتماعي في نفس الوقت، ويثير الدهشة لدى الآخرين " . من خلال هذا العرض لجوانب الإبداع، والتأمل في تعريفاته المختلفة، يمكن تعريف الإبداع بأنه انعكاس مادي للتفكير الإبداعي، الذي يتصف بقدرات عقلية إبداعية، حيث يقود هذا التفكير ويبعث فيه الطاقة سمات شخصية، تجعل الفرد يسير في تفكيره وفق مراحل العملية الإبداعية، لينتج ناتجاً جديداً نافعاً.
المصدر : سميرة الجلال . كفايات الابداع لدى المشرفة التربوية . 2005 م . رسالة ماجستير غير منشورة . جامعة الملك فيصل .