.
قد يعتبر البعض أن الجودة كلمة فضفاضة محيرة و غامضة و خاصة في مجال التعليم ، و لا يمكن التعرف عليها إلا عندما يراها ..قد يكون ذلك حقيقة قبل أن ينطلق من منطلق علم الإدارة الحديث و خاصة في مجال تطوير المنظمات ، الذي يجعل من الصفات و القيم الإنسانية كالجودة و الإبداع و التميز مثلاً إطاراً تنظيمياً محدداً يقنن به هذه القيم الفطرية- و التي يدعو لها الإسلام قبل أن ينادي بها علم الإدارة الحديث - في مفاهيم و مبادئ وأدوات ومهارات ...و على أمل أن نقنن كافة القيم و الأخلاق الإسلامية الرفيعة كالكرم و الإحسان و التقوى و غيرها لنصبح القادة في الحضارة الأخلاقية .
ولذلك سنبحث عن تعريفات للجودة التربوية الشاملة - كما أحببت أن أسميها - فالجودة : في اللغة العربية من جيد ( يجيد ويجاد) جيداً : طال عنقه وحسن ، فهو أجيد، وهي جيداء . وأيضاً جوّد .
الجودة في اللغة الإنكليزية هي صفة أو درجة تفوق يمتلكها شئ ما، كما تعني درجة الامتياز لنوعية معينة من المنتج .
وفي المجال التربوي يقصد بالجودة إدارة الجودة الشاملة: أسلوب متكامل يطبق في جميع فروع ومستويات المنظمة التعليمية ليوفر للأفراد وفرق العمل الفرصة لإرضاء الطلاب والمستفيدين من التعلم
و هي أيضاً أداء العمل بطريقة صحيحة وفق مجموعة من المعايير، والمواصفات التربوية اللازمة لرفع مستوى جودة وحدة المنتج التعليمي بأقل جهد، وتكلفة.
كما أن الجودة عملية بنائية تهدف إلى تحسين المنتج النهائي وذلك من خلال تحسين ظروف العمل لكل العاملين في المؤسسة (المدرسة)، وتركز الجودة على الجهود الإيجابية التي يبذلها كل شخص يعمل في هذه المؤسسة الاجتماعية .
و يمكن القول أن الجودة التربوية الشاملة هي : تحديد احتياجات و توقعات المستفيدين من الخدمة التعليمية التي تقدمها المؤسسة ، و ترجمتها إلى معايير محددة تكون أساس للتحسين و التطوير المستمر لهذه الإدارة بمدخلاتها و عملياتها و مخرجاتها بحيث تحقق الأهداف بأداء متميز نوعاً و كماً
. مبادئ الجودة التربوية الشاملة :
أن الجودة في التعليم كما هي في أيّ عمل نوعي ترتكز على مبادئ ، منها :
1. العمل من خلال معايير متفق عليها
2. التركيز على العميل (وهو الطالب هنا) و احتياجاته
3. التركيز على العمل الجماعي و تمكين العاملين وحفزهم على تحمل المسئولية ومنحهم الثقة وإعطاؤهم السلطة الكاملة لأداء العمل..
4. الاعتماد على التقويم بأنواعه و اتخاذ القرارات بصورة موضوعية بناء على الحقائق.
5. الاستمراريّة في التطوير .
6. التزام ذوي العلاقة بالجودة ومتطلباتها .
7. المراجعة الدائمة و التركيز على الإجراءات الوقائية بدلآً من التفتيش .
8. المحاسبيّة .
9. تخفيف البيروقراطية وتعدد مستويات الهيكل التنظيمي.
10. اتصاف نظام الجودة بالشمولية في كافة المجالات
المستفيدين داخل و خارج منظومة التعليم :
المتعلم هو أهم المستفيدين من الخدمات التربوية سواء على مستوى الصف أو المدرسة أو إدارة التعليم أو الوزارة ، و أما بقية المستفيدين فتختلف شرائحهم بحسب المؤسسة التعليمية وبحسب أيضاً كل فرد فيها ، فالمدرسة لديها المستفيدين الداخليين ( بالنسبة لمدير المدرسة على سبيل المثال ) : جميع منسوبي المدرسة من الطلاب ، المعلمين ، الإداريين ) ، أما بالنسبة للمستفيدين الخارجيين فهم : أولياء الأمور ، المجتمع بمؤسساته المختلفة ، أصحاب الأعمال ، زملاء المهنة و قس على ذلك باقي الأطراف .
فوائد الجودة للتعليم :
يتساءل البعض لماذا نطبق نظام الجودة التربوية الشاملة ؟؟
قبل أن نرحل مع المزايا و الفوائد التي تجنيها المؤسسة التعليمية من تطبيق نظام الجودة التربوية الشاملة فلنقف وقفة مع هذا النظام الإداري الحديث الذي أصبح هاجساً للكثير من المهتمين بإصلاح و تطوير المؤسسة التعليمية ، فهل هي موضة حديثة أم هي شعارات رنانة للفرقعة الإعلامية ، أم هي مشروع حديث يتعلق بجانب في المؤسسة أم هي مدخل شامل لإصلاح و تطوير التعليم ؟
و من وجهة نظري أن الجودة الشاملة في التعليم هي خيار حتمي على المؤسسة التعليمية الأخذ به لتلحق بالركب الحضاري و لتتحول من مؤسسة خدمية استهلاكية إلى مؤسسة تنمية و استثمار .
كما يرى ( أحمد زيدان ، 2003 ) أن تحقيق الجودة للمنظمات يعني تحقيق الوجود ، و استمرار الجودة يعني استمرار الوجود ، و تدعيم الجودة يعني تدعيم الوجود ، و تراجع الجودة يعني تراجع الوجود ، فالجودة لم تعد ترفاً و خيارا و إنما التزام لا بديل عنه و إلا أصبح وجود الإدارة أو استمرارها محاطاً بالشكوك ، و لا مكان في العصر الحالي للمؤسسات متدنية الجودة .
و المدير/ المعلم الذي لا يضع الجودة هدفاً أمام عينيه فقد دواعي استمراره فعليه إما الالتزام أو الاعتزال .
كما يرى د. خالد العواد أن الجودة في التعليم هي جوهر التعليم حيث ترمي إلى تعزيز نوعية التعليم وبالتالي اجتذاب الطلاب إلى المدرسة واستبقائهم فيها وتحقيق نتائج مجدية في التعلم والتحصيل .
من مزايا تطبيق الجودة للمؤسسة التعليمية الآتي :- التحفيز على التميز وإظهار الإبداع.
- تطوير أساليب العمل.
- الارتقاء بمهارات العاملين وقدراتهم.
- تحسين بيئة العمل.
- الحرص على بناء وتعزيز العلاقات الإنسانية.
- تقوية الولاء للعمل في المؤسسة/ المدرسة.
- التشجيع على المشاركة المجتمعية في أنشطة وفعاليات المؤسسة / المدرسة.
- تقليل إجراءات العمل الروتينية واختصارها من حيث الوقت والتكلفة.
- ارتباط الجودة بالإنتاجية وتحسين الإنتاج.
- الاستخدام الأمثل للموارد المادية والبشرية وتقليل الهدر أو الفقد.
- تدعيم الجودة لعملية تحسين المدرسة.
- تطوير المهارات القيادية والإدارية لقادة الغد.ما هي مواصفات مدرسة الجودة ?
هذا السؤال غاية في الأهمية و يذكرني بقصة أوردها ستيفن كوفري في كتابه ((العادات السبع لذوي الفعالية المرتفعة )) لمجموعة من العمال في منطقة أدغال يقطعون الأشجار بالمناجل و المديرون خلفهم يشحذون المناجل و يصفون سياسة العمل و خطواته ، و في هذا الوقت صعد القائد شجرة و صاح : هذه ليست الغابة الصحيحة ، ليجيبه المديرون صه نحن نتقدم !!
فهل حددنا غابة الأدغال الصحيحة قبل أن نطبق الجودة التربوية الشاملة؟؟
ماهي المواصفات و المعايير التربوية للمدرسة التي نريد تحقيقها من خلال الجودة التربوية الشاملة
إن هذه المعايير يجب أن تتناول جميع الجوانب المختلفة لمدخلات العملية التعليمية، وتسعى لتحقيق مبدأ الجودة الشاملة حيث تركز على الأمور والتفصيلات المهمة في المنظومة التعليمية، ويمكن تطبيقها على قطاعات مختلفة ومتطورة، كما أنه يمكن تطبيقها لفترات زمنية ممتدة، وقابلة للتعديل وفق التطورات العلمية والتكنولوجية، وقابلة للقياس، حتى يمكن مقارنة مخرجاتها بالمعايير المقننة للوقوف على مدى جودة المخرجات مع الحرص على أن تكون معايير وطنية تستند على الجانب الأخلاقي، وتراعي عادات المجتمع وسلوكياته.
و في هذا المجال يمكن القول إن من أهم معايير مدرسة الجودة الشاملة المجالات التالية: المدرسة الفاعلة كوحدة متكاملة، والمتعلم كمشارك أساسي في العملية التعليمية، والإدارة المميزة، والمشاركة المجتمعية حيث تسهم المدرسة في خدمة المجتمع المدني ويقوم المجتمع بدوره بتقديم الدعم للمدرسة مادياً وخدمياً وإعلامياً، والمنهج المدرسي وما يكتسبه المتعلم من معارف ومهارات وقيم، والمواد التعليمية وأساليب التقويم.
إن الجودة التربوية الشاملة في المدرسة تعني الابتعاد عن مصانع المعرفة حيث يصب المعلم حقائق في عقول سلبية و تلاميذ يسقطون نفس الحقائق مرة أخرى في الامتحانات ، إنها تعني أن يكون التعلم متعة .
إنها تعني الانتقال من التنافس إلى التعاون ، إنها التركيز على التربية كعملية ، إنها تعني التركيز على أن نتعلم و ليس فقط أن ننتهي من المنهج .
ومن هنا أدعو لمؤتمر تربوي على مستوى المملكة تدعو فيه خبرات تربوية من داخل المملكة و خارجها لوضع ميثاق لمدارس الجودة التربوية الشاملة تحدد فيه المعايير التربوية ويكون بمثابة شهادة اعتماد للمدارس التي تطبق نظام الجودة .
مراحل تطبيق الجودة الشاملة في المؤسسة التعليمية و دور القيادات التربوية في ذلك :
الجودة الشاملة ليست عصا سحرية باقتنائها نصل للجودة التربوية المنشودة ، بل هي منهجية إدارية تقوم على ثلاث أسس : القيم و المهارات و سلوك الأفراد و المنظمات ، و بدون هذه الأسس تصبح الجودة التربوية شعارات ، فمدير المدرسة الذي يضع لافته كبيرة في مدخل المدرسة تحمل رؤية المدرسة في الجودة ، و يخصص مكاناً بارزاً لتوزيع نشرات الجودة ، بينما جنبات الصفوف الدراسة في المدرسة تئن من التلقين و الفوقية أو الامتهان المادي و المعنوي التي يتعامل بها بعض المعلمين مع طلابهم ، أو المركزية التي تسيطر على المناخ العام في المدرسة و تكاد المدرسة تخلو من روح الإبداع و التميز ، فيحق لنا أن نتساءل هل هذه الصورة هي طموحنا للجودة التربوية الشاملة في مدارسنا ؟
و حيث تتعدد نماذج و أساليب تطبيق الجودة التربوية الشاملة فما هو الأسلوب الأفضل ؟و ما لمانع أن يكون لنا أسلوبنا المميز في تطبيق الجودة التربوية الشاملة ؟
ولقد حققنا خطوات ملموسة في نشر ثقافة الجودة الشاملة في الميدان التربوي ، و من المهم أن نحدد الخطوة اللاحقة و هي كيف نطبق الجودة التربوية الشاملة بمشروع استراتيجي واضح المعالم ، و هذا هو دور المختصين التربويين في مجال الجودة و الإدارة التربوية عامة لنصل إلى أفضل النماذج التي طبقت على مستوى العالم و أكثرها ملائمة لمجتمعاتنا و إمكاناتنا . و أول الخطوات لذلك هي أن نحدد أين نحن الآن و إلى نريد أن نصل ؟ .ما هو / ما هي أدوار و مسؤوليات المدرسة / المؤسسة التعليمية/ المدير / المعلم :
دور مدير الجودة في المدرسة / المؤسسة التعليمة :
• الالتزام أولا بالجودة.
• الاهتمام بالتخطيط الاستراتيجي تحديد رسالة المدرسة وربط فعالياتها بمتطلبات رؤية التعليم ورسالته وضع أهداف قابلة للقياس..
• تشكيل فريق الجودة أو فرق التحسين المستمر في المدرسة/ المؤسسة واعتبار كل فرد في المدرسة مسئولا عن الجودة و دعم العمل الجماعي في المؤسسة.
• وضع معايير للرقابة وضرورة استخدام أدوات وعمليات الجودة .
• تبني معايير الجودة الشاملة في الإدارة المدرسية من أجل الارتقاء بمستوى أدائها.
• تعزيز الالتزام والانتماء للمدرسة بكل الطرق المتاحة للإدارة.
• تدريب المعلمين باستمرار وتعريفهم على ثقافة الجودة، لرفع مستوى الأداء المهني.
• ممارسة التقويم الداخلي الذاتي على الأقل مرتين سنوياً و الإعلان عن نتائجه.
• الاهتمام بالتقدير والمكافآت عند إنجاز الأعمال بفعالية .
• أن يوفر المدير العلاقات الإنسانية كالمساندة عند تفويض السلطة، والتشجيع على المشاركة في مخاطر تحمل المسئولية، وتوفير فرص التنمية لجميع العاملين، الابتعاد عن الأوامر والنواهي والانتقاد.
• إتاحة قدر أكبر من اللامركزية والحرية للمدرسة لتحقيق التطوير والإبداع في جميع مجالات العمل المدرسي.
• العمل على ربط عملية اتخاذ القرار باحتياجات الطلاب والعاملين والمجتمع المدرسي.
• تطبيق نظام الاقتراحات والشكاوي وتقبل النقد بكل شفافية وديمقراطية.
• تطوير العلاقة بين المدرسة والمجتمع حتى تصبح شراكة فاعلة .
• التواصل الإيجابي مع المؤسسات التعليمية الأخرى وغير التعليمية (المجتمعية والأهلية).
• الحد من أساليب التقويم القديمة المبنية على الحفظ والاسترجاع وتبني التقويم الأصيل المتكامل المستمر لأداء الطالب الذي يقيس قدراته الحقيقية.
• مساعدة المعلمين على اكتساب مهارات جديدة في إدارة المواقف الصفية و تعزيز التعلم .
• تعزيز السلوكيات الإيجابية واستثمارها والبناء عليها وتعديل السلوك السلبي بأسلوب توجيهي وإرشادي.
دور المعلم في مدرسة الجودة بالإضافة إلى مشاركته فيما سبق :
• أن يكون لديه اتجاه شخصي نحو الجودة التربوية أي بمعنى أن يبني رؤيته الخاصة لتحقيق الجودة التربوية الشاملة ، ماذا يحلم أن يحقق في رحلة الجودة مع طلابه ؟.
• أن يشرك الطلاب و أولياء أمورهم معه في تحقيق الجودة التربوية في صفه و في المدرسة .
• أن يتدرب و يتدرب و يتدرب .
• أن يتبادل الخبرات مع زملائه و يستشير و يطور من قدراته .
و من مؤشرات تحقيق الجودة في المدرسة :
هناك بعض المؤشرات في المجال التربوي تعمل في تكاملها وتشابكها على تحسين العملية التربوية.
المحور الأول: معايير مرتبطة بالطلبة: من حيث القبول والانتقاء ونسبة عدد الطلاب إلى المعلمين، ومتوسط تكلفة الفرد والخدمات التي تقدم لهم ، ودافعية الطلاب واستعدادهم للتعلم.
المحور الثاني: معايير مرتبطة بالمعلمين: من حيث حجم الهيئة التدريسية وثقافتهم المهنية واحترام وتقدير المعلمين لطلابهم، ومدى مساهمة المعلمين في خدمة المجتمع.
المحور الثالث: معايير مرتبطة بالمناهج الدراسية: من حيث أصالة المناهج، وجودة مستواها ومحتواها، والطريقة والأسلوب ومدى ارتباطها بالواقع، وإلى أي مدى تعكس المناهج ثقافة المجتمع و مبادئه .
المحور الرابع: معايير مرتبطة بالإدارة المدرسية: من حيث التزام القيادات بالجودة، والعلاقات الإنسانية الجيدة، واختيار الإداريين وتدريبهم.
المحور الخامس: معايير مرتبطة بالإدارة التعليمية: من حيث التزام القيادات التعليمية بالجودة وتفويض السلطات اللامركزية ، والعلاقات الإنسانية الجيدة واختيار الإداريين والقيادات وتدريبهم.
المحور السادس: معايير مرتبطة بالإمكانات المادية: من حيث مرونة المبنى المدرسي وقدرته على تحقيق الأهداف ومدى استفادة الطلاب من المكتبة المدرسية والأجهزة والأدوات...إلخ.
المحور السابع: معايير مرتبطة بالعلاقة بين المدرسة والمجتمع: من حيث مدى وفاء المدرسة باحتياجات المجتمع المحيط والمشاركة في حل مشكلاته، وربط التخصصات بطبيعة المجتمع وحاجاته، والتفاعل بين المدرسة بمواردها البشرية والفكرية وبين المجتمع بقطاعاته الإنتاجية والخدمية.
العوائق التي تواجه تطبيق الجودة التربوية الشاملة :
أولاً : الحاجة إلى الموارد المادية و البشرية :
يذكر د. خالد العواد أن عمليات التجويد بطبيعتها عمليات نوعيّة ذات كلفة عالية ، فإذا أضيف إلى ذلك التحديات التي يواجهها التعليم العامّ في بلادنا ، التي من أبرزها :
1- معدل النمو السكاني المرتفع نسبيا ، مما يزيد في ثخانة الشريحة العمريّة التي يستهدفها .
2- اتساع رقعة الأرض التي يغطيها التعليم العامّ .
فإنّ تحقيق جودة التعليم مرهونة بأمور عدّة ، من أهمها :
1: توفير الدعم المادّي والمعنوي والخبراتي .
2: قدرة المنظومة التعليميّة على تطوير أدائها .
ومن الخطأ استنفاد الموارد المتاحة في توسيع نظم التعليم دون بذل الوسع في تحسين نوعية التعليم وتجويده في مجالات عدّة ؛ مثل : تحسين السياسات التعليميّة ، وتوفير المستلزمات ، وتدريب المعلمين ، وتوفير المواد التعليمية ... ونحوها
ثانياً : مقاومـة التغييـر:
أظهرت المشـاهدات و التجارب أن الأفراد في المؤسسة قد يقاومـون التغيير الذي تزمـع الإدارة إدخاله أو إحداثه، و قد تنصب مقـاومتهم على نوع التغيير أو حجمه أو كيفية تطبيقه أو توقيت إدخاله .
و تأخذ مقاومة التغيير درجات مختلفة كما في الشكل التالي:
شكل 1 : درجات مقاومة التغيير
و تعتبر مقاومة التغيير من المشاكل أو المعوقات الرئيسية التي تواجه عملية تطبيق إدارة الجودة الشاملة، حتى و إن أدى التغيير إلى التحسين. وتتكون هذه المقاومة من صعوبات حقيقية وأخرى مدركة أو تخيلية، حيث يقاوم الأفراد التغيير للعديد من الأسباب أهمّها:
- الخوف، فأوّل شيء يفعله الأفراد عندما يسمعون بالتغيير، أنّهم يحوّلونه إلى اهتمام شخصي، ويتساءلون عن كيفية تأثير التغيير عليهم.
- أنّ التغيير، يعني أداء الأشياء بشكل مختلف وإيجاد معرفة جديدة ومعلومات إضافية يجب تعلّمها وتطبيقها، مما يجعل الأفراد يدركون فقد السيطرة على ما يؤدونه من عمل.
- القلق من عدم القدرة على أداء الأشياء الجديدة.
- أنّ التغيير قد يعني مزيدا من أعباء العمل.
- الإستياءات الماضية (Past Resentments) وعدم التفكير والتخطيط للمستقبل.
- عدم الثقة في إدارة الجودة الشاملة.
- عدم الرّغبة في تحمّل المسؤولية والالتزام.
عـلاج مقاومة التغـيير:
لا شكّ أنّ قدرة الإدارة على التغلّب مبكّرا على المقاومة يساعد على إزالة الكثير من الخوف والقلق المصاحب لعملية التغيير، إن ما تحتاج المؤسسة القيام به هو توقع المقاومة وتحديد العوامل التي تؤدي إلى هذه المقاومة وتحديد أنسب الطرق للتغلب عليها. و هنا أود أن أورد قصة عن قوة القائد في مواجهة الخوف من التغيير ففي 30 يونيو من عام 1859م وقف رجل يدعى (تشارلز بلوندن) على طرف الشلالات ومعه مدير أعماله وأمامه جمهور حاشد.
كان (بولندن) ومساعده شدوا حبلاً بعرض الشلال يزيد عن 300 متر . وعلى ارتفاع أكثر من 60 مترًا.والمتفرجون يترقبون مشاهدة هذا الإنجاز المحفوف بالموت. ألتفت (بولندن) إلى الناس وقال: هل تؤمنون أننـي أستطيع قطع المسافة بين طرفي الشلال ذهابًا وإيابًا،على هذا الحبل، وأعود سالمًا..؟.
لم يكن المتفرجون متأكدين انه يستطيع.. لكنهم هتفوا مطالبين أن يفعل. ففعلها(بولندن) والحبل يتأرجح بقوة مع هبوب الرياح وهطول المطر. فأصيب الجمهور بحالة هستيرية من هول الموقف.
هدأ(بولندن) من روعهم ثم قال: هل تؤمنون حقًا أنـنـي أستطيع أن أسير إلى منتصف الحبل، وأدلي هذه السلسلة إلى النهر، وأسحب زجاجة من قارب في الأسفل وأشرب، ثم أرمي بها ثانية إلى النهر؟.
فصرخوا جميعًا: نعم نؤمن. ونفذ الرجل وعده.
ثم صاح فيهم: وهل تؤمنون أيضًا أني أستطيع أن أحمل رجلاً فوق أكتافي ، وأعبر به الحبل ماشيًا. وأعود أدراجي ، دون أن نسقط في الشلال؟.
صرخت الجماهير-بصوت واحد-كعادتها: نعم نؤمن.
فابتسم(بولندن) .وقال: رائع جدًا! من منكم سيكون هذا الرجل!؟
فخيم الصمت على الجمهور. وبدا التوتر على الوجوه، وبدأت سيقان بعضهم تهتز. وكل منهم يتمنى أن لا يختاره (بولندن). وكما كان متوقعًا لم يتطوع أحد.
أليس هذا ما يحدث كل يوم؟ نسمع الناس يقولون أنهم مؤمنون بعملهم ومواقفهم وقدراتهم، ولكنهم لا ينفذون. ألم يحن وقت تنفيذ الأفكار التي قلنا بأننا نؤمن بها. فنحن لن ننجز أبدًا..ما لم نؤمن حقًا.
فلمن اقتنع بمبدأ الجودة التربوية الشاملة إن كنت مؤمناً نفذ فوراً و في نفس الوقت ... تعلم ...تدرب ....شارك ....أسس ...أعمل مع الفريق ...أبدع ... قيم ...طور .....و احصد النتائج بإذن الله .في هذا الصدد، يصبح من الواضح ضرورة استعانة المؤسسة بالاستشارات الخارجية لمساعدتها على تطبيق إدارة الجودة الشاملة. لأنّ الفوائد التي يمكن الحصول عليها من الاستعانة بخبراتهم على موقف محدّد سوف تزيد كثيرا على ما تتحمله من تكلفة، وإنّ مصداقية هؤلاء المستشارين وخبرتهم الواسعة تؤهلهم لمساعدة المؤسسة على التحوّل الأسرع والانسيابي تجاه إدارة الجودة الشاملة، فلقد واجه المستشارون العديد من العوائق أثناء تطبيق المؤسسات لإدارة الجودة الشاملة، وتغلّبوا عليها بفضل ما يمتلكونه من معرفة تفصيلية لكيفية تقليل مشاكل التطبيق إلى حدّها الأدنى.
ومن معوقات تطبيق الجودة التربوية الشاملة :
ثالثاً : ضعف التدريب أو المدربين في مجال الجودة التربوية الشاملة : فقد يضطلع بهذه المهمة مدربون ليسوا على مستوى عال من التأهيل أو أنهم يمتلكون المعرفة النظرية المتخصصة فقط ، و بالتالي يخرج المتدربون ليسألوا السؤال الجوهري و لكن كيف نطبق الجودة و من أين نبدأ ؟ .
رابعاً: التعقيد :
إن من أبرز المعوقات التي تواجه تطبيق الجودة التربوية الشاملة من وجهة نظري اللهث وراء المصطلحات الإدارية المعقدة أو غير شائعة الاستخدام في بيئة التطبيق ، و لذلك يجدر بالمهتمين بالجودة التربوية الشاملة العمل على التبسيط ثم التبسيط ثم التبسيط ، و من أساليب ذلك إعداد دليل للجودة التربوية و يتضمن شرح لهذه المصطلحات بأسلوب ميسر فمثلاً يؤكد الدكتور منصور العور مدير عام الكلية الالكترونية للجودة الشاملة
في ورقته العمل التي ألقاها في مؤتمر الإبداع و التميز الإداري 8-10 /2/1428هـ عن تجربة شرطة دبي في التميز المؤسسي : أن من أسباب نجاح شرطة دبي في تحقيق الجودة تبسيط مصطلحاتها للمستفيدين منها ، فمثلاً بدلاً من استخدام مصطلح قائمة مراجعة داخلية و تدقيق يستخدم مع أفراد الشرطة كلمة رصد أو ما شابه ذلك من المصطلحات التي تؤدي المعنى و تكون أكثر قبولاً لديهم.
خامساً استعجال النتائج : لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر .
و بذلك فإن تحقيق الجودة التربوية يتطلب المزيد من الصبر و الجهد و الالتزام كما يتطلب تخطيطاً استراتيجياً طويل المدى حيث يتطلب بناء جاداً للثقافة التنظيمية في المؤسسة و عملاً مؤسسياً جماعياً تتكاتف فيه جهات عدة بدءاً من الوزارة و انتهاء بالمعلم في غرفة الصف .
ما هو الدور الذي يمكن أن تقوم به القيادات التعليمية في قطاعات التربية و التعليم( بنين و بنات ) لضمان نجاح تطبيقات إدارة الجودة الشاملة في المؤسسات التعليمية في القطاعين العام و الخاص ؟
1. إن من أهم أدوار القيادات التربوية العمل على وضع مشروع استراتيجي واضح المعالم لتطبيق الجودة التربوية الشاملة يستند على نشر ثقافة الجودة و تعزيز ثقافتها التنظيمية و نشر الخبرات المحلية و الدولية في الميدان التربوي ، و يؤسس هذا المشروع وفق مراحل زمنية محددة الأدوات و الإمكانات و مؤشرات التقويم بمعنى أن لا نترك الجودة التربوية للصدفة .
2. تبني مبادرات الأوائل من مديرين و مديرات المدارس و المعلمين الراغبين في تطبيق الجودة و دعمهم بكافة الخبرات و البرامج التدريبية و توفير الدعم المادي مع تنمية قدرات المدرسة الذاتية على أن تكون وحدة للتطوير بإعطائها مساحة من الصلاحيات و اتخاذ القرار و تهيئتها لعمليات التدريب الداخلي لتطبيق نظام الجودة التربوية الشاملة .
3. توظيف نظم المعلومات والتكنولوجيا في تطوير أداء الإدارة المدرسية.
4. مشاركة المدرسة في التخطيط لتحسين مخرجات التعليم والعمل على إعداد شخصيات قيادية من الطلاب وزيادة مشاركة الطلاب في العمل المدرسي.
5. إيجاد نماذج إدارية في الإدارات التعليمية لتطبيق الجودة التربوية الشاملة ، لتكون قدوة للمدارس و باقي المؤسسات التعليمية ، ففاقد الشيء لا يعطيه و كذلك لدعمها بالخبرة الفعلية الواقعية و هي بذلك ترسل رسالة إيجابية بإمكانية تطبيقها .
6. إيجاد أشكال من التنافس البناء من خلال تخصيص جوائز الجودة و تحفيز المدارس على المشاركة بها محلياً و إقليميا و دولياً .
كلمة أخيرة :
الإبداع و الجودة ....لا أخفيكم شعوري في بداية تعرفي على الجودة الشاملة أني مررت بمراحل مواجهة التغيير بداية من الرفض الأولي إلى مرحلة التعرف ثم التبني ثم التطبيق ،
و قد كان الرفض الأولي من مبدأ أن الجودة و الإبداع نقيضان فالجودة هي فعل الصحيح من أول مرة وأنها لا تسمح بهامش من الخطأ و أنها لا تترك مساحة للتجريب لكن مع فهم نظام الجودة و أسسها و مبادئها و هنا دور نشر ثقافة الجودة من خلال المحاضرات النشرات البرامج التدريبية توصلت لقناعة حول الجودة الشاملة و أنها غاية تستخدم من أجل الوصول لها العديد من الضروريات الإدارية كالإبداع المؤسسي ، فبدون الإبداع الفردي و الجماعي لا تتحقق جودة ، كما أن الإبداع الذي هو تفكير غير مألوف من أجل الوصول لأفضل الحلول يعتبر أن التجريب من أهم أسسه و التجريب أيضاً أساس في الجودة و هنا التجريب قد ينتج عنه خطأ و لكن الخطأ في الجودة و الإبداع خطأ من أجل التعلم و خطأ مخطط له فهو خطأ واعي و ليس خطأ إهمال أو نقص أو جهل ، و هو الخطأ الذي يقود إلى النجاح لنصل إلى فعل الصحيح و الأصح و من أول مرة و في كل مرة .
كما أود أن أؤكد على عدد من النقاط و هي أن الجودة في التعليم تبدأ و تنتهي و تستقي مبررات وجودها من الجودة في الصف ، كما أن المتعلم هو شريك أساسي مع التربويين في تحقيق الجودة فيجب أن نصل لقناعاته بها ، و نكسبه مهاراتها ، و أن نجعل الجودة قيمة تغرس لديه بالمنهج المدرسي و الأنشطة التعليمية كافة و هنا نعود إلى ضرورة غرس الجودة منذ الصغر في أطفالنا و شبابنا و فتياتنا لأن ديننا يدعو للإتقان و هو دين حضارة و منهج تربية لا ينضب .
كما أن الجودة لا تعني التغيير لأجل التغيير فهي ليست مجرد موضة تربوية ستخبو بعد حين و إنما هي توقع الأفضل من كل تلميذ فالجودة التربوية تعني التحسين المستمر للعملية التعليمية ، إنها تعني العمل الجماعي الإبداعي المنظم إنها بكل بساطة جودة تربوية شاملة .المراجع :
خالد العواد ورقة عمل بعنوان "نمو خطة لتطوير التعليم" مقدمة في اللقاء العاشر لمديري التعليم بمدينة جدة 25/28/1423هـ .